محمد بن جرير الطبري
168
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
قال ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قال : إلى السماء إلى سماء البيت . قال ابن جريج : وقال مجاهد : ثم ليقطع قال : ليختنق ، وذلك كيده ما يغيظ قال : ذلك خنقه أن لا يرزقه الله . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فليمدد بسبب يعني : بحبل . إلى السماء يعني : سماء البيت . حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أبو رجاء ، قال : سئل عكرمة عن قوله : فليمدد بسبب إلى السماء قال : سماء البيت . ثم ليقطع قال : يختنق . وأولى ذلك بالصواب عندي في تأويل ذلك قول من قال : الهاء من ذكر نبي الله ( ص ) ودينه وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر قوما يعبدونه على حرف وأنهم يطمئنون بالدين إن أصابوا خيرا في عبادتهم إياه وأنهم يرتدون عن دينهم لشدة تصيبهم فيها ، ثم أتبع ذلك هذه الآية فمعلوم أنه إنما أتبعه إياها توبيخا لهم على ارتدادهم عن الدين أو على شكهم فيه نفاقهم ، استبطاء منهم السعة في العيش أو السبوغ في الرزق . وإذا كان الواجب أن يكون ذلك عقيب الخبر عن نفاقهم ، فمعنى الكلام إذن إذ كان ذلك كذلك : من كان يحسب أن لن يرزق الله محمدا ( ص ) وأمته في الدنيا فيوسع عليهم من فضله فيها ، ويرزقهم في الآخرة من سني عطاياه وكرامته ، استبطاء منه فعل الله ذلك به وبهم ، فليمدد بحبل إلى سماء فوقه : إما سقف بيت ، أو غيره مما يعلق به السبب من فوقه ، ثم يختنق إذا اغتاظ من بعض ما قضى الله فاستعجل انكشاف ذلك عنه ، فلينظر هل يذهبن كيده اختناقه كذلك ما يغيظ ؟ فإن لم يذهب ذلك غيظه ، حتى يأتي الله بالفرج من عنده فيذهبه ، فكذلك استعجاله نصر الله محمدا ودينه لن يؤخر ما قضى الله له من ذلك عن ميقاته ولا يعجل قبل حينه . وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان ، تباطؤوا عن الاسلام ، وقالوا : نخاف أن لا ينصر محمد ( ص ) فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يرووننا فقال الله تبارك وتعالى لهم : من استعجل من الله نصر محمد ، فليمدد بسبب إلى السماء فليختنق فلينظر استعجاله بذلك في نفسه هل هو مذهب غيظه ؟ فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدم نصره قبل حينه .